shadow

 

أجرى “المركز الكردي – السويدي للدراسات – NLKS” حواراً مع الكاتب والصحافي اللبناني في صحيفة “الحياة” حازم صاغية تناول جوانب من تجربته وأفكاره ومواقفه حيال الكرد وقضاياهم وحقوقهم، وحيال المنطقة وسوريا ودور الكرد حاضراً ومستقبلاً.

وتحدّث صاغيّة عن بداية تماسه مع الكرد بالقول: “رغم معرفتي بعدد من الكرد وصداقتي مع بعضهم، فإنّ التماس الأساسيّ لم يكن مع أشخاص. كان أساساً مع قضيّة حقّ ومظلوميّة. لقد تغيّر الكثير من قناعاتي على مدى السنين، ومع هذا بقي الحقّ الكرديّ من ثوابتي القليلة”. وأضاف: “مرّة كتبت، وهو ما لا أزال أؤمن به، أنّ الوقوف إلى جانب الحقّ الكرديّ ليس فقط معياراً لإنسانيّة العربيّ، بل هو أيضاً طريقه لتنظيف ضميره”.

وردّاً على سؤال “قبل عقد ونيّف من الثورات والانتفاضات في العالم العربي كتبتَ “وداع العروبة”… بعد مضي ما يزيد عن خمس سنوات على هذه الثورات، ماذا ودّعت؟ أو ماذا سنودّع؟”. قال صاغيّة: “أعتقد أنّ العروبة ولّت قبل عقود. لكنّ الرغبة في عدم دفن الميّت تتسبّب بانبعاث روائح كريهة. في هذا المعنى تتناسل العروبة الميّتة مع أنّ الأموات لا يتناسلون. وهي تتناسل بأشكال كثيرة، منها الإسلام السياسيّ الراديكاليّ ومنها الهويّات المتعصّبة والمحتقنة في جميع بلدان المنطقة حتّى لو تسمّت بأسماء أخرى، بعضها مناهض للعروبة”.

وكمثال على أن “الايديولجيات لا تسقط بسقوط أنظمتها السياسية” أتى صاغيّة بتجربة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي قائلاً: ” إنّ نوري المالكي، مثلاً لا حصراً، لا يشتهي إلاّ أن يكون صدّام حسين شيعيّاً. إلاّ أنّ توازنات القوى وحدها، لا الأخلاق ولا المعرفة ولا الاتّعاظ بالتاريخ، ما يمنعه من ذلك”.

وعن نظرته للملف الكردي، سواء الآن وفي هذه اللحظات الملتهبة، كيف تنظر إلى المشهد الكردي” قال صاغيّة: ” الجواب عن هذا السؤال يلزمه كتاب. أكتفي بالقول: إنّ شعوراً بخيبة الأمل يجتاحني. كنت أظنّ أنّ أكراد العراق سيبنون تجربة أقلّ فساداً وتمسّكاً بالروابط القرابيّة ممّا بنوا فعليّاً. وكنت أظنّ أنّ أكراد سوريّا سيتصرّفون بموجب رحابة وذكاء لم يتصرّفوا بموجبهما. وما أخشاه هو أن يكون الوعي السياسيّ الكرديّ لم يعد يتحرّك وفق غرض إيجابيّ كالاستقلال وبناء الدولة، بل باتوا يتحرّكون وفق غرض سلبيّ هو أن يكونوا ضدّ العرب. هذه القوميّة الضدّيّة والمشحونة ستكرّر مأساة القوميّة العربيّة، وهي لن تقود الأكراد إلاّ إلى المكان الذي تولّت القوميّة العربيّة قيادة العرب إليه.”.

 

أدناه الحوار كاملاً:

 

حازم صاغية والكرد، متى كان التماس الأوّل، على الصعيد الشخصي والسياسي والفكري…؟ وكيف كانت الانطباعات قبل هذا التماس وبعده؟

– رغم معرفتي بعدد من الكرد وصداقتي مع بعضهم، فإنّ التماس الأساسيّ لم يكن مع أشخاص. كان أساساً مع قضيّة حقّ ومظلوميّة. لقد تغيّر الكثير من قناعاتي على مدى السنين، ومع هذا بقي الحقّ الكرديّ من ثوابتي القليلة. مرّة كتبت، وهو ما لا أزال أؤمن به، أنّ الوقوف إلى جانب الحقّ الكرديّ ليس فقط معياراً لإنسانيّة العربيّ، بل هو أيضاً طريقه لتنظيف ضميره.

 

في لغة كتابتك لمقال الرأي أو التعليق – التحليل السياسي، يمكن أن يلحظ مستوى من البلاغة الأدبيّة في التراكيب والجُمل… ومع ذلك، من خلال ما راكمته من كتب، لا نجد عملاً أدبيّا: رواية أو شعر؟!… لماذا؟!.

– أوّلاً شكراً على وصف لا أستحقّه. واقع الحال أنّني وضعت أقداماً صغيرة في الكتابة التي يمكن تسميتها كتابةً أدبيّة. يندرج في هذه الخانة كتابي “هذه ليست سيرة” ثمّ كتاباي “رندة الترانس” و”أنا كوماري من سريلانكا”. قريباً جدّاً سيصدر لي عن “دار الساقي” كتاب قصص قصيرة بعنوان “جيرمين وإخوانها”.

 

ثمة من ينظر إلى حازم صاغية على أنه ضمن التيّار الديمقراطي الليبرالي في المنطقة، وثمة من ينظر إليه على انه معادٍ لحزب الله والخمينيّة والمشروع الإيراني في الشرق الأوسط… أنت إلى أي التوصيفين أقرب؟!

– لا أدري. أنا معادٍ لكلّ الأنظمة والتنظيمات التي تعادي الحرّيّة للأفراد أو للشعوب والجماعات. وفي الحقيقة لا أعرف إذا كان هناك “تيّار” ديموقراطيّ ليبراليّ في المنطقة. إنّنا، بعد الجمع والطرح، قلّة من الأفراد لا يعطون الأولويّة لجماعاتهم الدينيّة والإثنيّة والطائفيّة. في رأيي، هذا هو الأساس والشرط الشارط.

 

قبل عقد ونيّف من الثورات والانتفاضات في العالم العربي كتبتَ “وداع العروبة”… بعد مضي ما يزيد عن خمس سنوات على هذه الثورات، ماذا ودّعت؟ أو ماذا سنودّع؟

– أعتقد أنّ العروبة ولّت قبل عقود. لكنّ الرغبة في عدم دفن الميّت تتسبّب بانبعاث روائح كريهة. في هذا المعنى تتناسل العروبة الميّتة مع أنّ الأموات لا يتناسلون. وهي تتناسل بأشكال كثيرة، منها الإسلام السياسيّ الراديكاليّ ومنها الهويّات المتعصّبة والمحتقنة في جميع بلدان المنطقة حتّى لو تسمّت بأسماء أخرى، بعضها مناهض للعروبة.

 

كذلك بعد سقوط نظام صدّام حسين، كتبت عن البعث العراقي ونظام صدام “قياماً وحطاماً” وسنة 2012 كتبتَ عن “البعث السوري.. تاريخ موجز”… هل تسقط الآيديولوجيات بسقوط أنظمتها السياسيّة الحاكمة؟

– للأسف، لا. يفاقم أمرنا أنّ الأسباب المولّدة للمرض الأول لا تزال حيّة تُرزق، بل لا تزال ذات بطن خصب. ولهذا لا تزال المثالات هي نفسها ولا يزال التوق والرغبة كما كانا عليه. إنّ نوري المالكي، مثلاً لا حصراً، لا يشتهي إلاّ أن يكون صدّام حسين شيعيّاً. إلاّ أنّ توازنات القوى وحدها، لا الأخلاق ولا المعرفة ولا الاتّعاظ بالتاريخ، ما يمنعه من ذلك.

 

هل هنالك حقّاً تورّط أو ضلوع للنخب الثقافيّة والفكريّة العربيّة في تغذية وترويج الرواية الرسميّة عن الكرد، وتصويرهم على أنهم الخطر الذي يتهدد مستقبل الأمّة العربيّة وامنها القومي، وأنهم “عملاء إسرائيل” وأن أي كيان كردي هو ؟اسرائيل ثانية”؟ أم أن الأمر مبالغ فيه؟ ومحض خرافة؟!.

– بالتأكيد تولّى مثقّفو الراديكاليّة القوميّة العربيّة نشر هذه الصورة وتعميمها. لقد ظنّوا أنّ الاعتراف بالحقّ الكرديّ يحرم العرب من صورة المظلوميّة التي دأبوا على توكيدها، لا سيّما حيال إسرائيل. لكنّ الأمر ليس فقط إيديولوجيّاً. إنّه أيضاً جهازيّ كما يتبدّى في المثقّفين العاملين في خدمة الأنظمة التي روّجت القوميّة العربيّة وخرافاتها.

 

في مقالات ومحطات كثيرة، أبديتَ وجهة نظرك بخصوص الملف الكردي سواء، الآن وفي هذه اللحظات الملتهبة، كيف تنظر إلى المشهد الكردي؟!

– الجواب عن هذا السؤال يلزمه كتاب. أكتفي بالقول: إنّ شعوراً بخيبة الأمل يجتاحني. كنت أظنّ أنّ أكراد العراق سيبنون تجربة أقلّ فساداً وتمسّكاً بالروابط القرابيّة ممّا بنوا فعليّاً. وكنت أظنّ أنّ أكراد سوريّا سيتصرّفون بموجب رحابة وذكاء لم يتصرّفوا بموجبهما. وما أخشاه هو أن يكون الوعي السياسيّ الكرديّ لم يعد يتحرّك وفق غرض إيجابيّ كالاستقلال وبناء الدولة، بل باتوا يتحرّكون وفق غرض سلبيّ هو أن يكونوا ضدّ العرب. هذه القوميّة الضدّيّة والمشحونة ستكرّر مأساة القوميّة العربيّة، وهي لن تقود الأكراد إلاّ إلى المكان الذي تولّت القوميّة العربيّة قيادة العرب إليه.

 

إذا كان السقوط الأخلاقي للآيديولوجيات سابقاً على سقوطها السياسي في انظمة الحكم والإدارة، فهل صحيح الحديث عن بقاء جمر “الهتلريّة” متقداً تحت طبقاتٍ سميكة في الحضارة والديمقراطية في ألمانيا؟! والمقصود هنا نزق فكرة الاستعلاء القومي التي تعبّر عن نفسها لدى قطاعات وشرائح سياسية قوميّة أوروبية بشكل عام. يعني، هل صحيح ان الديمقراطية فشلت في إطفاء جمر المشاريع النازية والفاشية تماماً في أوروبا؟.

– لا أظنّ ذلك. أعتقد أنّ الألمان قطعوا شوطاً بعيداً جدّاً في مراجعة أنفسهم وتاريخهم وفي نزع النازيّة. حاليّاً، هناك ظروف انتقاليّة صعبة تعيشها ألمانيا وعموم أوروبا، بعضها اقتصاديّ المنشأ، وبعضها متّصل بأزمة التمثيل الديمقراطيّ في زمننا، أي دور النخبة وأحزابها، وبعضها الثالث على علاقة بالهجرات والتلاقح السكّانيّ والثقافيّ غير المسبوق. ومن دون التقليل من أهميّة الارتدادات التي تحصل، ومن خطورتها، أميل إلى الظنّ أنّ الديمقراطيّة ستتغلّب في النهاية على التحدّيات الشعبويّة والعنصريّة.

 

عطفاً على السؤال السابق، وإسقاطاً على الواقع العربي، إلى درجة نجحت الآيديولوجيا القوميّة العربيّة التي عبّرت عن نفسها في النظام الناصري والبعثي (سوريا والعراق)، في نقل تركتها وموروثها إلى معارضاتها؟ بخاصّة في التعامل مع قضيّة الديمقراطيّة وحقوق الإقليّات غير العربيّة في ما يسمّى بـ”العالم العربي”؟.

– لا شكّ أنّ هناك بعض المشتركات الناجمة أساساً عن نظام تعليميّ وسياسة إعلاميّة أوجدت إيديولوجيا شعبيّة جامعة. لكنْ لا يستطيع القاهر والمقهور أن يحافظا طويلاً على مثل هذه الشراكة الإيديولوجيّة. لهذا نرى أنّ قطاعات سكّانيّة متعاظمة تنفكّ عن سرديّات أنظمتها في بعض المسائل، وإن كان لا يزال مطلوباً إحداث انفكاكات أكثر جذريّة، لا سيّما في ما يتّصل بالقضايا القوميّة والدينيّة.

 

ألّف الكاتب والصحافي الأمريكي كتاباً عن الكرد، وعنونه بـ”أمّة في شقاق”.. هل تعتقد ان هذا التوصيف ينطبق على الكرد وحسب، أم ان الشقاق هو لسان حال أمم الشرق الأوسط ككل؟. ولماذا؟.

– الشقاق والتنافر حالة منطقتنا كلّها. وهو اليوم، مع صعود الهويّات والأزمات الاقتصاديّة، يضرب أجزاء معتبرة من العالم المتقدّم. أسباب ذلك في منطقتنا كثيرة، بينها السياسيّ والاقتصاديّ والفكريّ. لكنّني لا أزال على قناعة بأنّ السبب الأوّل أو الأهمّ هو سيادة نظام القرابة الدمويّ، وامتداده على شكل طوائف وعشائر وإثنيّات. هذه السيادة تمنع نشوء ولاءات مواطنيّة وفرديّة حديثة.

 

بالعودة إلى الوضع السوري، كيف رأيت موقف المعارضة السورية مع الكرد ومخاوفهم وهواجسهم وحسياساتهم؟ وموقف الكرد مع المعارضة السورية؟… إن كان هنالك خلل وعطب؟ في أين مكمنه؟ وأسبابه؟ وسبل معالجته؟.

– الطرفان أخطآ. بعض الأخطاء كان اضطراريّاً، كحاجة المعارضة إلى تركيّا التي نفّرت الأكراد، وبعضها كان اختياريّاً، كالممارسات العنصريّة والتهجيريّة التي تبادلها الطرفان. أهمّ من ذلك أنّنا اكتشفنا – وهذا ما يجب أن يقال بصراحة – استحالة تعايش الطرفين في دولة مركزيّة واحدة. لا بدّ من مباشرة التفكير بصيغ أخرى لحياة الجماعتين، والتوتّر والشحن لا يوفّران أفضل المناخات لإنجاز ذلك.

 

ما مدى صواب مقارنة الهسترة والهجمة الإسلاميّة – السياسيّة، بتنويعاتها المختلفة المتطرّفة منها والمعتدلة، بالهسترة اليسارية إبان الستينات والسبعينات؟ هل ثمة أوجه تشابه بين الهسترتين؟

– الشبه قائم في النزوع الراديكاليّ وفي افتراض الحلّ الخلاصيّ الذي يجوز لأجله التضحية بالبشر. وموجتا التطرّف اليساريّ والجماعاتيّ موجتان عالميّتان، وإن تفوّقت منطقتنا على سائر المناطق في رعايتهما. تخيّل، مثلاً لا حصراً، أنّ الفنزويلّي كارلوس اختارنا لكي يمارس إرهابه عندنا!

 

ما أخذ الكرد من العرب، على صعيد المشاريع السياسية والثقافية؟ وماذا اخذ العرب من الكرد على نفس الصعيد؟.

– أعتقد أنّ تاريخ العداء ومشاعر التفوّق والدونيّة حالت دون قيام حركة تثاقف صحّيّة وثريّة. ربّما تأثّرت الطبقات العليا الكرديّة التي أقامت في المدن بجوانب من حياة الأكثريّة العربيّة، وربّما أتاحت الأحزاب الشيوعيّة قبل انهيارها في العقدين الأخيرين بعض التبادل تأثّراً وتأثيراً، وربّما تسلّلت بعض الطرق والعادات في المأكل والملبس من العرب إلى الكرد ومن الكرد إلى العرب. لكنّ هذا جميعه يبقى قليلاً جدّاً.

 

كيف تنظر إلى مستقبل الكرد في منطقة الشرق الأوسط؟

– بالطبع هناك شطر من الجواب يتعلّق بالشروط الإقليميّة والدوليّة، وبالحظّ الذي قد توفّره، أو لا توفّره، هذه الشروط. لكنْ في ما يتّصل بالعنصر الذاتيّ، أعتقد أنّ الخيار الأفضل للكرد هو التركيز على حقوق تقرير المصير في بلدانهم، والتركيز على ذلك بوصفه مطلباً عادلاً، لا بوصفه ثأراً وانتقاماً. أمّا أوهام كردستان الكبرى، العابرة لشعوب واقتصادات وثقافات ونظم تعليم مختلفة، فستكون كارثة على الكرد مثلما كانت أوهام العروبة كارثة على العرب.

المحرر

faeaq

أخبار متعلقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *